وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴿١٢١﴾سورة التوبة تفسير القرطبي
" وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا " الْعَرَب تَقُول : وَادٍ وَأَوْدِيَة , عَلَى غَيْر قِيَاس . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا يُعْرَف فِيمَا عَلِمْت فَاعِل وَأَفْعِلَة سِوَاهُ , وَالْقِيَاس أَنْ يُجْمَع وَوَادِي ; فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْع بَيْن وَاوَيْنِ وَهُمْ قَدْ يَسْتَثْقِلُونَ وَاحِدَة , حَتَّى قَالُوا : أُقِّتَتْ فِي وُقِّتَتْ . وَحَكَى الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ فِي تَصْغِير وَاصِل اِسْم رَجُل أَوْ أَوَيْصِل فَلَا يَقُولُونَ غَيْره . وَحَكَى الْفَرَّاء فِي جَمْع وَادٍ أَوْدَاء . قُلْت : وَقَدْ جُمِعَ أَوْدَاهُ ; قَالَ جَرِير : عَرَفْت بِبُرْقَة الْأَوْدَاه رَسْمًا مُحِيلًا طَالَ عَهْدك مِنْ رُسُوم
رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ . ؟ قَالَ : ( حَبَسَهُمْ الْعُذْر ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاة فَقَالَ : ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَض ) . فَأَعْطَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَعْذُورِ مِنْ الْأَجْر مِثْل مَا أَعْطَى لِلْقَوِيِّ الْعَامِل . وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّاس : إِنَّمَا يَكُون الْأَجْر لِلْمَعْذُورِ غَيْر مُضَاعَف , وَيُضَاعَف لِلْعَامِلِ الْمُبَاشِر . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا تَحَكُّم عَلَى اللَّه تَعَالَى وَتَضْيِيق لِسَعَةِ رَحْمَته , وَقَدْ عَابَ بَعْض النَّاس فَقَالَ : إِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ الثَّوَاب مُضَاعَفًا قَطْعًا , وَنَحْنُ لَا نَقْطَع بِالتَّضْعِيفِ فِي مَوْضِع فَإِنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى مِقْدَار النِّيَّات , وَهَذَا أَمْر مُغَيَّب , وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّ هُنَاكَ تَضْعِيفًا وَرَبّك أَعْلَم بِمَنْ يَسْتَحِقّهُ .
قُلْت : الظَّاهِر مِنْ الْأَحَادِيث وَالْآي الْمُسَاوَاة فِي الْأَجْر ; مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْر فَلَهُ مِثْل أَجْر فَاعِله ) وَقَوْله : ( مَنْ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاة فَوَجَدَ النَّاس قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل أَجْر مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا ) . وَهُوَ ظَاهِر قَوْله تَعَالَى : " وَمَنْ يَخْرُج مِنْ بَيْته مُهَاجِرًا إِلَى اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فَقَدْ وَقَعَ أَجْره عَلَى اللَّه " [ النِّسَاء : 100 ] وَبِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّة الصَّادِقَة هِيَ أَصْل الْأَعْمَال , فَإِذَا صَحَّتْ فِي فِعْل طَاعَة فَعَجَزَ عَنْهَا صَاحِبهَا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْهَا فَلَا بُعْد فِي مُسَاوَاة أَجْر ذَلِكَ الْعَاجِز لِأَجْرِ الْقَادِر الْفَاعِل وَيَزِيد عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( نِيَّة الْمُؤْمِن خَيْر مِنْ عَمَله ) . وَاَللَّه أَعْلَم .