وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًۭا لِّلشَّيَٰطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ
﴿٥﴾سورة الملك تفسير القرطبي
جَمْع مِصْبَاح وَهُوَ السِّرَاج . وَتُسَمَّى الْكَوَاكِب مَصَابِيح لِإِضَاءَتِهَا .
أَيْ جَعَلْنَا شُهُبهَا ; فَحُذِفَ الْمُضَاف . دَلِيله " إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَة فَأَتْبَعَهُ شِهَاب ثَاقِب " [ الصَّافَّات : 10 ] . وَعَلَى هَذَا فَالْمَصَابِيح لَا تَزُول وَلَا يُرْجَم بِهَا . وَقِيلَ : إِنَّ الضَّمِير رَاجِع إِلَى الْمَصَابِيح عَلَى أَنَّ الرَّجْم مِنْ أَنْفُس الْكَوَاكِب , وَلَا يَسْقُط الْكَوْكَب نَفْسه إِنَّمَا يَنْفَصِل مِنْهُ شَيْء يُرْجَم بِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص ضَوْءُهُ وَلَا صُورَته . قَالَهُ أَبُو عَلِيّ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ : كَيْفَ تَكُون زِينَة وَهِيَ رُجُوم لَا تَبْقَى . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُون الِاسْتِرَاق مِنْ مَوْضِع الْكَوَاكِب . وَالتَّقْدِير الْأَوَّل عَلَى أَنْ يَكُون الِاسْتِرَاق مِنْ الْهَوَى الَّذِي هُوَ دُون مَوْضِع الْكَوَاكِب . الْقُشَيْرِيّ : وَأَمْثَل مِنْ قَوْل أَبِي عَلِيّ أَنْ نَقُول : هِيَ زِينَة قَبْل أَنْ يُرْجَم بِهَا الشَّيَاطِين . وَالرُّجُوم جَمْع رَجْم ; وَهُوَ مَصْدَر سُمِّيَ بِهِ مَا يُرْجَم بِهِ . قَالَ قَتَادَة : خَلَقَ اللَّه تَعَالَى النُّجُوم لِثَلَاثٍ : زِينَة لِلسَّمَاءِ , وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ , وَعَلَامَات يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَالْأَوْقَات . فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْر ذَلِكَ فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْم لَهُ بِهِ , وَتَعَدَّى وَظَلَمَ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : وَاَللَّه مَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الْأَرْض فِي السَّمَاء نَجْم , وَلَكِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكِهَانَة سَبِيلًا وَيَتَّخِذُونَ النُّجُوم عِلَّة .
أَيْ أَعْتَدْنَا لِلشَّيَاطِينِ أَشَدّ الْحَرِيق ; يُقَال : سُعِرَتْ النَّار فَهِيَ مَسْعُورَة وَسَعِير ; مِثْل مَقْتُولَة وَقَتِيل .