۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا
﴿٥٨﴾سورة النساء تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا : وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7776 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي مَكِين , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فِي وُلَاة الْأَمْر . 7777 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ شَهْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاء خَاصَّة { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } 7778 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَلِمَات أَصَابَ فِيهِنَّ حَقّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَأَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقّ عَلَى النَّاس أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ عَلِيّ بِنَحْوِهِ . 7779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُمَيْر , عَنْ مَكْحُول , فِي قَوْل اللَّه : { وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : هُمْ أَهْل الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 7780 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن زَيْد , قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ الْوُلَاة , أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَرَ السُّلْطَان بِذَلِكَ أَنْ يُعْطُوا النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : يَعْنِي : السُّلْطَان يُعْطُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِي خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَفَاتِيح الْكَعْبَة أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7782 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة , قَبَضَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة , وَدَخَلَ بِهَا الْبَيْت يَوْم الْفَتْح , فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا عُثْمَان فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاح . قَالَ : وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : فِدَاؤُهُ أَبِي وَأُمِّي ! مَا سَمِعْته يَتْلُوهَا قَبْل ذَلِكَ . 7783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الزِّنْجِيّ بْن خَالِد , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِينُوهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ خِطَاب مِنْ اللَّه وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ وُلُّوا فِي فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ , وَمَا اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورهمْ بِالْعَدْلِ بَيْنهمْ فِي الْقَضِيَّة . وَالْقَسْم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَعَظَ بِهِ الرَّعِيَّة فِي : { أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِمْ , وَأَوْصَى الرَّاعِيَ بِالرَّعِيَّةِ , وَأَوْصَى الرَّعِيَّة بِالطَّاعَةِ . كَمَا : 7784 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِين . وَقَرَأَ اِبْن زَيْد : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } 3 26 أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ فَقَالَ : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } ؟ وَالْأَمَانَات : هِيَ الْفَيْء الَّذِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعه وَقَسْمه , وَالصَّدَقَات الَّتِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعهَا وَقَسْمهَا . { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } . .. الْآيَة كُلّهَا فَأَمَرَ بِهَذَا الْوُلَاة , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا نَحْنُ , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } وَأَمَّا الَّذِي قَالَ اِبْن جُرَيْج مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيهِ , وَأُرِيدَ بِهِ كُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فَدَخَلَ فِيهِ وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ وَكُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ قَضَاء الدَّيْن وَرَدّ حُقُوق النَّاس . كَاَلَّذِي : 7785 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّص لِمُوسِرٍ وَلَا مُعْسِر أَنْ يُمْسِكهَا . 7786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } عَنْ الْحَسَن : أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك , وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا , إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُؤَدُّوا مَا اِئْتَمَنَتْكُمْ عَلَيْهِ رَعِيَّتكُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ وَأَمْوَالهمْ وَصَدَقَاتهمْ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرَكُمْ اللَّه , بِأَدَاءِ كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ بَعْد أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ , لَا تَظْلِمُوهَا أَهْلهَا وَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَضَعُوا شَيْئًا مِنْهَا فِي غَيْر مَوْضِعه , وَلَا تَأْخُذُوهَا إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ اللَّه لَكُمْ بِأَخْذِهَا مِنْهُ قَبْل أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ ; وَيَأْمُركُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن رَعِيَّتكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُوله , لَا تَعْدُوا ذَلِكَ فَتَجُورُوا عَلَيْهِمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ إِنَّ اللَّه نِعْمَ الشَّيْء يَعِظكُمْ بِهِ , وَنِعْمَتْ الْعِظَة يَعِظكُمْ بِهَا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ , أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا , وَأَنْ تَحْكُمُوا بَيْن النَّاس بِالْعَدْلِ
{ إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا بِمَا تَقُولُونَ وَتَنْطِقُونَ , وَهُوَ سَمِيع لِذَلِكَ مِنْكُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس وَلَمْ تُحَاوِرُوهُمْ بِهِ , { بَصِيرًا } بِمَا تَفْعَلُونَ فِيمَا اِئْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق رَعِيَّتكُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَمَا تَقْضُونَ بِهِ بَيْنهمْ مِنْ أَحْكَامكُمْ بِعَدْلٍ تَحْكُمُونَ أَوْ جَوْر , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , حَافِظ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِيَ مُحْسِنكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَمُسِيئَكُمْ بِإِسَاءَتِهِ , أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ .