سورة طه تفسير القرطبي الآية 121
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿١٢١﴾

سورة طه تفسير القرطبي

وَقَالَ الْفَرَّاء : " وَطَفِقَا " فِي الْعَرَبِيَّة أَقْبَلَا ; قَالَ وَقِيلَ : جَعَلَ يُلْصِقَانِ عَلَيْهِمَا وَرَق التِّين . " وَطَفِقَا " وَيَجُوز إِسْكَان الْفَاء . وَحَكَى الْأَخْفَش طَفَقَ يَطْفِق ; مِثْل ضَرَبَ يَضْرِب . يُقَال : طَفِقَ , أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْل . " يَخْصِفَانِ " وَقَرَأَ الْحَسَن بِكَسْرِ الْخَاء وَشَدّ الصَّاد . وَالْأَصْل " يَخْتَصِفَانِ " فَأُدْغِمَ , وَكُسِرَ الْخَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقَرَأَ اِبْن بُرَيْدَة وَيَعْقُوب بِفَتْحِ الْخَاء , أَلْقَيَا حَرَكَة التَّاء عَلَيْهَا . وَيَجُوز " يُخَصِّفَانِ " بِضَمِّ الْيَاء , مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّف . وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ " يُخْصِفَانِ " مِنْ أَخْصَفَ . وَكِلَاهُمَا مَنْقُول بِالْهَمْزَةِ أَوْ التَّضْعِيف وَالْمَعْنَى : يَقْطَعَانِ الْوَرَق وَيُلْزِقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ , وَمِنْهُ خَصَفَ النَّعْل . وَالْخَصَّاف الَّذِي يُرَقِّعهَا . وَالْمِخْصَف الْمِثْقَب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ وَرَق التِّين . وَيُرْوَى أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَدَتْ سَوْأَته وَظَهَرَتْ عَوْرَته طَافَ عَلَى أَشْجَار الْجَنَّة يَسُلّ مِنْهَا وَرَقَة يُغَطِّي بِهَا عَوْرَته ; فَزَجَرَتْهُ أَشْجَار الْجَنَّة حَتَّى رَحِمَتْهُ شَجَرَة التِّين فَأَعْطَتْهُ وَرَقَة . " فَطَفِقَا " يَعْنِي آدَم وَحَوَّاء " يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة " فَكَافَأَ اللَّه التِّين بِأَنْ سَوَّى ظَاهِره وَبَاطِنه فِي الْحَلَاوَة وَالْمَنْفَعَة وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عَام وَاحِد مَرَّتَيْنِ .

وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى قُبْح كَشْف الْعَوْرَة , وَأَنَّ اللَّه أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْر ; وَلِذَلِكَ اِبْتَدَرَا إِلَى سَتْرهَا , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّة ; كَمَا قِيلَ لَهُمَا : " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة " . وَقَدْ حَكَى صَاحِب الْبَيَان عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد مَا يَسْتُر بِهِ عَوْرَته إِلَّا وَرَق الشَّجَر لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِر بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سُتْرَة ظَاهِرَة يُمْكِنهُ التَّسَتُّر بِهَا ; كَمَا فَعَلَ آدَم فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .


" وَعَصَى " تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي ذُنُوب الْأَنْبِيَاء قَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِوُقُوعِ ذُنُوب مِنْ بَعْضهمْ , وَنَسَبَهَا إِلَيْهِمْ , وَعَاتَبَهُمْ عَلَيْهَا , وَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ عَنْ نُفُوسهمْ وَتَنَصَّلُوا مِنْهَا , وَاسْتَغْفَرُوا مِنْهَا وَتَابُوا , وَكُلّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة لَا يَقْبَل التَّأْوِيل جُمْلَتهَا , وَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ آحَادهَا , وَكُلّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُزْرِي بِمَنَاصِبِهِمْ , وَإِنَّمَا تِلْكَ الْأُمُور الَّتِي وَقَعَتْ مِنْهُمْ عَلَى جِهَة النُّدُور , وَعَلَى جِهَة الْخَطَأ وَالنِّسْيَان , أَوْ تَأْوِيل دَعَا إِلَى ذَلِكَ , فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرهمْ حَسَنَات , وَفَى حَقّهمْ سَيِّئَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنَاصِبهمْ , وَعُلُوّ أَقْدَارهمْ ; إِذْ قَدْ يُؤَاخَذ الْوَزِير بِمَا يُثَاب عَلَيْهِ السَّائِس ; فَأَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْقِف الْقِيَامَة , مَعَ عِلْمهمْ بِالْأَمْنِ وَالْأَمَان وَالسَّلَامَة . قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْحَقّ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْجُنَيْد حَيْثُ قَالَ : حَسَنَات الْأَبْرَار سَيِّئَات الْمُقَرَّبِينَ ; فَهُمْ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَهِدَتْ النُّصُوص بِوُقُوعِ ذُنُوب مِنْهُمْ , فَلَمْ يُخِلّ ذَلِكَ بِمَنَاصِبِهِمْ , وَلَا قَدَحَ فِي رُتْبَتهمْ , بَلْ قَدْ تَلَافَاهُمْ , وَاجْتَبَاهُمْ وَهَدَاهُمْ , وَمَدَحَهُمْ وَزَكَّاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ ; صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه .

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ مِنَّا الْيَوْم أَنْ يُخْبِر بِذَلِكَ عَنْ آدَم إِلَّا إِذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاء قَوْله تَعَالَى عَنْهُ , أَوْ قَوْل نَبِيّه , فَأَمَّا أَنْ يَبْتَدِئ ذَلِكَ مِنْ قِبَل نَفْسه فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنِينَ إِلَيْنَا , الْمُمَاثِلِينَ لَنَا , فَكَيْفَ فِي أَبِينَا الْأَقْدَم الْأَعْظَم الْأَكْرَم النَّبِيّ الْمُقَدَّم , الَّذِي عَذَرَهُ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَتَابَ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ . قُلْت : وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوق لَا يَجُوز , فَالْإِخْبَار عَنْ صِفَات اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَالْإِصْبَع وَالْجَنْب وَالنُّزُول إِلَى غَيْر ذَلِكَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز الِابْتِدَاء بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي أَثْنَاء قِرَاءَة كِتَابه أَوْ سُنَّة رَسُوله , وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَام مَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَات اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِثْل قَوْله : " وَقَالَتْ الْيَهُود يَد اللَّه مَغْلُولَة " [ الْمَائِدَة 64 ] فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقه قُطِعَتْ يَده , وَكَذَلِكَ فِي السَّمْع وَالْبَصَر يُقْطَع ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَ اللَّه تَعَالَى بِنَفْسِهِ .

رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ [ لِمُسْلِم ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " اِحْتَجَّ آدَم وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى يَا آدَم أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتنَا وَأَخْرَجْتنَا مِنْ الْجَنَّة فَقَالَ آدَم يَا مُوسَى اِصْطَفَاك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك بِيَدِهِ يَا مُوسَى : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْر قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْل أَنْ يَخْلُقنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَة فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا " قَالَ الْمُهَلِّب قَوْله : " فَحَجَّ آدَم مُوسَى " أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ . قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد إِنَّمَا صَحَّتْ الْحُجَّة فِي هَذِهِ الْقِصَّة لِآدَم عَلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِآدَم خَطِيئَته وَتَابَ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَكُنْ لِمُوسَى أَنْ يُعَيِّرهُ بِخَطِيئَةٍ قَدْ غَفَرَهَا اللَّه تَعَالَى لَهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ آدَم : أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَتَاك اللَّه التَّوْرَاة , وَفِيهَا عِلْم كُلّ شَيْء , فَوَجَدْت فِيهَا أَنَّ اللَّه قَدْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْمَعْصِيَة , وَقَدَّرَ عَلَيَّ التَّوْبَة مِنْهَا , وَأَسْقَطَ بِذَلِكَ اللَّوْم عَنِّي أَفَتَلُومنِي أَنْتَ وَاَللَّه لَا يَلُومنِي وَبِمِثْلِ هَذَا اِحْتَجَّ اِبْن عُمَر عَلَى الَّذِي قَالَ لَهُ : إِنَّ عُثْمَان فَرَّ يَوْم أُحُد ; فَقَالَ اِبْن عُمَر : مَا عَلَى عُثْمَان ذَنْب لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهُ بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ " [ آل عِمْرَان 155 ] وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَب وَلَيْسَ تَعْيِيره مِنْ بِرّه أَنْ لَوْ كَانَ مِمَّا يُعَيَّر بِهِ غَيْره ; فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ : " وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا " [ لُقْمَان 15 ] وَلِهَذَا إِنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِر : " لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّك وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَام عَلَيْك " [ مَرْيَم 46 ] فَكَيْفَ بِأَبٍ هُوَ نَبِيّ قَدْ اجْتَبَاهُ رَبّه وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى .

وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ الْخَطَايَا وَلَمْ تَأْتِهِ الْمَغْفِرَة ; فَإِنَّ الْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَحْتَجّ بِمِثْلِ حُجَّة آدَم , فَيَقُول تَلُومنِي عَلَى أَنْ قَتَلْت أَوْ زَنَيْت أَوْ سَرَقْت وَقَدْ قَدَّرَ اللَّه عَلَيَّ ذَلِكَ ; وَالْأُمَّة مُجْمِعَة عَلَى جَوَاز حَمْد الْمُحْسِن عَلَى إِحْسَانه , وَلَوْم الْمُسِيء عَلَى إِسَاءَته , وَتَعْدِيد ذُنُوبه عَلَيْهِ .

قَولُه تَعَالَى : " فَغَوَى " أَيْ فَفَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشه , حَكَاهُ النَّقَّاش وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَسَمِعْت شَيْخنَا الْأُسْتَاذ الْمُقْرِئ أَبَا جَعْفَر الْقُرْطُبِيّ يَقُول " فَغَوَى " فَفَسَدَ عَيْشه بِنُزُولِهِ إِلَى الدُّنْيَا , وَالْغَيّ الْفَسَاد ; وَهُوَ تَأْوِيل حَسَن وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيل مَنْ يَقُول : " فَغَوَى " مَعْنَاهُ ضَلَّ ; مِنْ الْغَيّ الَّذِي هُوَ ضِدّ الرُّشْد . وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَهِلَ مَوْضِع رُشْده ; أَيْ جَهِلَ أَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَة هِيَ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا ; وَالْغَيّ الْجَهْل . وَعَنْ بَعْضهمْ " فَغَوَى " فَبَشِمَ مِنْ كَثْرَة الْأَكْل ; الزَّمَخْشَرِيّ وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ عَلَى لُغَة مَنْ يَقْلِب الْيَاء الْمَكْسُورَة مَا قَبْلهَا أَلِفًا ; فَيَقُول فِي فَنِيَ وَبَقِيَ فَنَى وَبَقَى وَهُمْ بَنُو طَيّ تَفْسِير خَبِيث .

قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر قَالَ قَوْم يُقَال : عَصَى آدَم وَغَوَى وَلَا يُقَال لَهُ عَاصٍ وَلَا غَاوٍ , كَمَا أَنَّ مَنْ خَاطَ مَرَّة يُقَال لَهُ : خَاطٍ وَلَا يُقَال لَهُ خَيَّاط مَا لَمْ يَتَكَرَّر مِنْهُ الْخِيَاطَة . وَقِيلَ يَجُوز لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْلِق فِي عَبْده عِنْد مَعْصِيَته مَا لَا يَجُوز لِغَيْرِهِ أَنْ يُطْلِقهُ , وَهَذَا تَكَلُّف ; وَمَا أُضِيفَ مِنْ هَذَا إِلَى الْأَنْبِيَاء فَإِمَّا أَنْ تَكُون صَغَائِر , أَوْ تَرْك الْأَوْلَى , أَوْ قَبْل النُّبُوَّة . قُلْت : هَذَا حَسَن .