سورة البقرة تفسير القرطبي الآية 129
رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾

سورة البقرة تفسير القرطبي

" وَالْعَزِيز " مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء , دَلِيله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض " . [ فَاطِر : 44 ] . الْكِسَائِيّ : " الْعَزِيز " الْغَالِب , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " [ ص : 23 ] وَفِي الْمَثَل : " مَنْ عَزَّ بَزَّ " أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا مِثْل لَهُ , بَيَانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي اِسْمه الْعَزِيز فِي كِتَاب " الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى " وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى " الْحَكِيم " وَالْحَمْد اللَّه .





يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ " وَابْعَثْ فِي آخِرهمْ رَسُولًا مِنْهُمْ " . وَقَدْ رَوَى خَالِد بْن مَعْدَان : أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لَهُ : يَا رَسُول اللَّه , أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسك , قَالَ : ( نَعَمْ أَنَا دَعْوَة أَبِي إِبْرَاهِيم وَبُشْرَى عِيسَى ) . و " رَسُولًا " أَيْ مُرْسَلًا , وَهُوَ فَعُول مِنْ الرِّسَالَة . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُشْبِه أَنْ يَكُون أَصْله مِنْ قَوْلهمْ : نَاقَة مِرْسَال وَرَسْلَة , إِذَا كَانَتْ سَهْلَة السَّيْر مَاضِيَة أَمَام النُّوق . وَيُقَال لِلْجَمَاعَةِ الْمُهْمَلَة الْمُرْسَلَة : رَسَل , وَجَمْعه أَرْسَال . يُقَال : جَاءَ الْقَوْم أَرْسَالًا , أَيْ بَعْضهمْ فِي أَثَر بَعْض , وَمِنْهُ يُقَال لِلَّبَنِ رِسْل ; لِأَنَّهُ يُرْسَل مِنْ الضَّرْع .





" الْكِتَاب " الْقُرْآن و " الْحِكْمَة " الْمَعْرِفَة بِالدِّينِ , وَالْفِقْه فِي التَّأْوِيل , وَالْفَهْم الَّذِي هُوَ سَجِيَّة وَنُور مِنْ اللَّه تَعَالَى , قَالَهُ مَالِك , وَرَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب , وَقَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقَالَ قَتَادَة : " الْحِكْمَة " السُّنَّة وَبَيَان الشَّرَائِع . وَقِيلَ : الْحُكْم وَالْقَضَاء خَاصَّة , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَنُسِبَ التَّعْلِيم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يُعْطِي الْأُمُور الَّتِي يُنْظَر فِيهَا , وَيَعْلَم طَرِيق النَّظَر بِمَا يُلْقِيه اللَّه إِلَيْهِ مِنْ وَحْيه .





أَيْ يُطَهِّرهُمْ مِنْ وَضَر الشِّرْك , عَنْ اِبْن جُرَيْج وَغَيْره . وَالزَّكَاة : التَّطْهِير , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْآيَات تِلَاوَة ظَاهِر الْأَلْفَاظ . وَالْكِتَاب مَعَانِي الْأَلْفَاظ . وَالْحِكْمَة الْحُكْم , وَهُوَ مُرَاد اللَّه بِالْخِطَابِ مِنْ مُطْلَق وَمُقَيَّد , وَمُفَسَّر وَمُجْمَل , وَعُمُوم وَخُصُوص , وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .