وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا
﴿٢٦﴾سورة الإسراء تفسير القرطبي
أَيْ كَمَا رَاعَيْت حَقّ الْوَالِدَيْنِ فَصِلْ الرَّحِم , ثُمَّ تَصَدَّقْ عَلَى الْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل . وَقَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن فِي قَوْله تَعَالَى : " وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه " : هُمْ قَرَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْطَائِهِمْ حُقُوقهمْ مِنْ بَيْت الْمَال , أَيْ مِنْ سَهْم ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ الْغَزْو وَالْغَنِيمَة , وَيَكُون خِطَابًا لِلْوُلَاةِ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامهمْ . وَالْحَقّ فِي هَذِهِ الْآيَة مَا يَتَعَيَّن مِنْ صِلَة الرَّحِم , وَسَدّ الْخَلَّة , وَالْمُوَاسَاة عِنْد الْحَاجَة بِالْمَالِ , وَالْمَعُونَة بِكُلِّ وَجْه .
أَيْ لَا تُسْرِف فِي الْإِنْفَاق فِي غَيْر حَقّ . قَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَالتَّبْذِير إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه , وَلَا تَبْذِير فِي عَمَل الْخَيْر . وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور . وَقَالَ أَشْهَب عَنْ مَالِك : التَّبْذِير هُوَ أَخْذ الْمَال مِنْ حَقّه وَوَضْعه فِي غَيْر حَقّه , وَهُوَ الْإِسْرَاف , وَهُوَ حَرَام لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَان الشَّيَاطِين "
مَنْ أَنْفَقَ مَاله فِي الشَّهَوَات زَائِدًا عَلَى قَدْر الْحَاجَات وَعَرَّضَهُ بِذَلِكَ لِلنَّفَادِ فَهُوَ مُبَذِّر . وَمَنْ أَنْفَقَ رِبْح مَاله فِي شَهَوَاته وَحَفِظَ الْأَصْل أَوْ الرَّقَبَة فَلَيْسَ بِمُبَذِّرٍ . وَمَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا فِي حَرَام فَهُوَ مُبَذِّر , وَيُحْجَر عَلَيْهِ فِي نَفَقَته الدِّرْهَم فِي الْحَرَام , وَلَا يُحْجَر عَلَيْهِ إِنْ بَذَلَهُ فِي الشَّهَوَات إِلَّا إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ النَّفَاد .